الدراما السورية : “تعالج المشكلات” أم “تكرس الموبقات”؟

رمضان مبارك “متأخرة” ، و كل عام و أنتم إلى الله أقرب !..

مع حلول رمضان شهراً للعبادة و الدراما ، افتتحت رسمياً ««قناة سوريا دراما»» لتأكيد قوة الدراما السورية على الساحة .. و ابتهاجاً بدخولها على خط موادر الدخل الوطني السوري، إذ اقتربت الساعة التي سننافس فيها الهند الدولة التي تتفاخر بفلم جديد كل يوم و نتفشخر نحن في سوريا بعمل درامي جديد كل يوم .. و هذا مدعاة للفخر بطبيعة الحال!

مراراً سمعتُ من نقاد و متابعين على الفضائيات أن الدراما السورية «دراما موجهة» ، يعني ذلك أنها ليست استهلاكية أو تجارية و إن وضعت الناحية الربحية في الحسبان ، كما يعني أن العمل الدرامي يهدف إلى إحداث تأثير ما لدى متابعيه ..
أيضاً ،، عندما نتابع لقاءات مع القائميتن على عمل درامي نراهم يستخدمون كلمة «يعالج» ، يقول مثلا هذا المسلسل «يعالج»قضية تعدد الزوجات ، و «يعالج» قضية الطلاق و «يعالج» موضوع الإدمان .. فهو يعالج ..
عادة ما نستخدم في حياتنا كلمة «يعالج» في أمور الطب .. نقول مثلا : الطبيب فلان عالجني .. الطبيب يقول : أنا عالجت فلان .. يعني أنه شَخّص حالته المَرَضيّة ثم وصف له الدواء المناسب لحالته .. و يأمل كل من الطبيب و مريضه الشفاء بعد تلك «المعالجة» !
إذن ، الدراما السورية عندما تعالج قضية ما ، فهي تشخص الحالة المجتمعية و التي غالباً ما ستكون بشكل مشكلة،، ثم تصف الحل .. فالدراما السورية طبيبة لمشكلات المجتمع .. أو هكذا يتبادر إلى أذهاننا لدى  متابعتنا لتصريحات القائمين على الدراما ..
خلال الأسبوعين الذين فاتا من رمضان تابعتُ معظم حلقات هذه مسلسلات التسعة:
– عن الخوف و العزلة.
– موعود.
– هدوء نسبي.
– سحابة صيف.
– صراع المال.
– رجال الحسم.
– سفر الحجارة.
– شتاء ساخن.
– زمن العار.
القاسم المشترك بين هذه المسلسلات أنها من دراما الواقع ، أي أنها ليس دراما تاريخية أو تتحدث عن حقبة سابقة ، بل “تعالج” مشكلات المجتمع الحالية ..
في كل هذه المسلسلات عُرضتْ مشاهد من داخل نوادي الليل.. «النايت كلوب» ،، مشاهد الرقص و الفرفشة و الخلاعة ، و في معظمها شاهدنا «المشروب» مباحاً و سائغاً للشاربين ، كما لاحظنا في أغلبها وجود علاقات خارج الزواج لمتزوجين من الجنسين  .. و لم تغب مشاهد المدخنات ،، و الهاربات إلى السيجارة “لفشة الخلق” و التنفيس ..
نعود إلى الفعل “المضارع” يعالج !!
عندما أقول أن نصف مسلسلات هذا الموسم على الأقل “تعالج” تعاطي الشباب للمشروب .. أو تهافت الشباب إلى السهر بالنايت كلوب أو التنفيس عن ضغوطاتهم بالسيجارة ، أو تعالج قضية الخيانات الزوجية .. ماذا نعني بذلك ؟.. و كيف يتم معالج ذلك درامياً ؟؟
ماذا ؟.. هل تنتظر مني جواباً؟.. أنا أبداً لا أعرف .. أصلاً ليس اختصاصي !
لكن الذي أعرفه أنه «لن يعالج» بتكرار عرض مشاهد الأنس و «البسط» و المتعة الموجودة في النايت كلوب .. و طرق تلافي الرقابة العائلية .. لن يعالج موضوع «الشرب» بتكرار عرضه و كأن من يتعاطاه يشرب مشروباً رائجاً أكثر من الشاي !!

في كل مرة أشاهد فيها هاتيك المشاهد أشعر و كأن خطاباً خفياً موجهاً إليّ يقول :
هااه ؟! .. أيها الشاب .. أما زلت متردداً من زيارة النايت كلوب ؟
أما زالت هنالك حواحز و جدر تمنعك من زيارتها و السهر فيها ؟
هاك انظر كم السهر فيها ماتع .. انظر إلى السهارى فيها كم هم مستمتعون .. يتراقصون .. يتناغمون .. يتهامسون و يتناجون.. انظر إلى تلك الجميلات الحسناوات .. .. كم يستهوينك .. و كم ستستهويهن .. ألن تحركك الرغبة لمغازلتهن .. مصاحبتهن.. و السهر و السمر معهن ؟
ألا ترغب أن تعيش حالة “البسط” التي يعيشونها في هذه المشاهد ؟؟

أيها الشاب ..
أما زلت تعتقد أن «الشرب» حرام .. و أن المشروب محرم ؟
أما زلت تعتقد و تؤمن بتلك الخرافات و العقائد البالية ؟
هاك انظر كل الشباب يشربون .. إلا أنت ..
عندما تعتاده .. لن يسكرك .. جربه و استمتع كهؤلاء الشباب ..

تلك النداءات الخفية و نداءات كثيرة موجهة لشبابنا مغروسة بالجملة في دراما هذا الموسوم بطريقة تدعو للشك في درامانا الموجهة .. درامانا الهادفة لشيء ما ..
عندما تكون الدراما السورية موجهة .. ثم يكون نصف مسلسلات الموسم يعرض الخمر و كأنه مشروب يومي للسوريين  .. عندما يعرض النايت كلوب وكأنه ملتقى الشباب اليومي  .. و عندما يعرض العلاقات خارج الزواج و كأنها ظاهرة الظواهر في المجتمع السوري .. و عندما يغرس فكرة “السيجارة هي الحل” .. عند ذاك أتسائل .. إلى ما تهدف دراما سوريا .. إلى “معالجة” هذه الظواهر الدخيلة و الغريبة على مجتمعنا بالكلية أم «تكريسها» ؟!..
ثم ،، هل حان الوقت لإقناع المجتمع السورية بفكرة تقبل الشاذين جنسياً باعتبارهم «كتير شفافين» و يمكن مصادقتهم و مصاحبتهم و مسامرتهم على حالتهم باعتبارها حرية شخصية و أنه «ما عم يؤذيني» كما في مسلسل عن الخوف و العزلة في الحلقة الثامنة و غيرها ؟!..

و أتسائل بعمق : مامعنى كلمة «يعالج» و ما معنى «موجهة»؟
و بعمق أكبر : لماذا ينسى منتجوا الدراما السورية قيم الإسلام التي يعيشها حقيقة المجتمع السوري باعتبارها الأصل ..و يتم «معالجة» الحالات الشاذة و الخاصة باعبارها الواقع الأساس الذي يعيشه السوريون بدل اعتبارها حالة خاصة ؟؟!..
هل أمسكنا بالخيط الذي يميز بين الفعل يعالج .. و الفعل يكرس في الدراما السورية ؟؟!!…

أخيراً : مبروك لقناة سوريا دراما انطلاقتها ..و قد أعجبتني جداً الفواصل و البرومو و التصاميم .. بقي أن نؤكد على أهمية أن توضع الدراما السورية على طاولة الدراسة و التمحيص .. عملاً عملاً .. و أن نجاب على الأسئلة التي تتبادر إلى أذهاننا لدى متابعتها ..

7 تعليقات على ”الدراما السورية : “تعالج المشكلات” أم “تكرس الموبقات”؟

  1. كلام صحيح ،، عند تكرار مثل هذه المشاهد قد يتحمس البعض بالذهاب الى مثل تلك الاماكن ،، و اعتقد بأن الفكره من عرض هذه الامور بأن هناك ناس ماتفرق معاهم!

  2. الامور التي تعرض على هذه القنوات ليست وليدة اللحظة او عن طريق شخص جاهل اراد ان يسمح بمرورها بل هي سياسة
    ربما اسمها سياسة الابعاد عن الدين !
    نعم ولم لا فديننا يجمعنا و هم لا يريدونا لنا ان نجتمع حتى يسهل حكمنا
    فحين نغرق بهذه الاوحال لن نعود من البشر بل سنصبح كما يريدون مجرد قطيع من الاغنام

  3. اهنئك اخي الكريم على طرحك الرائع حقيقة ….اسلوبك رائع واستسمحك ان اقول ان الاكرم وخاصة في رمضان بالتحديد الابتعاد عن مشاهدة اي مسلسل لان كل المسلسلات واقول كل وليس غالبيتها اصبحت تحوي ان لم يكن المشاهد التي ذكرتها مشاهد تخدش حياء الاسرة المسلمة وقبل ذلك العربية …..كما اود ان اقول ان الدراما السورية ارحم بكثير من غيرها فهي على الاقل تطرح مشكلة من الواقع .. وان لم تعالجها ..اما بقية المسلسلات فهي اصلا خالية من الواقعية بل انها لا تمثل الا مصدر مالي لخيال بالي ومفرغ من اي محتوى واعتذر ان كان رأيي حاد بعض الشيئ …..تحياتي

  4. جزاك الله خيرا على الموضوع اخ أحمد و اسأل الله الهداية للدراما و من يشاهدها

  5. مئة بالمئة هذه الأفكار التي (تكرس) مدروسة ومن زمن بعيد , أمر التدرج في مناظر الشرب _ الجنس _ الكازينوهات اللبس والتقصير حتى بتنا نرا المرأة تلبس ماتلبسه لزوجها في غرفة النوم
    وكل هذا في الدراما السورية حتى صار أمرا عاداي كل ما ذكرتَه
    طبعا وغيرها من أفكار تٌدس تشوه منظر الدين والمسلمين
    كنا قد كتنبا تدوينة عن هذا الموضوع لكني لا أجدها
    على كل أشكرك على الأسلوب المميز
    تحياتي

  6. السلام عليكم ،

    يسر يقظان أن يقدم لكم هديته المتواضعة ، افتحوا عيونكم فقط وخذو نفساً عميقاً من الحرية :

    لفهم الدراما التي تكلمت عنها ، وفهم الوسائل الثقافية والإعلامية الأخرى ، ومشاهدة الصورة كاملة وإدراك “طريقة اللعب” – إن صح التعبير – يمكن استخدام إحدى الأداتين التاليتين وهما :
    1. تحليل الخطاب ، أي تحليل لغة المضمون في الدراما أو الإعلام بكافة وسائله
    2. الميمات ، وهي وحدات الثقافة التي لايوجد وحدات أصغر منها . مثلما الجينات تنقل الصفات الوراثية فإن الميمات تنقل الصفات الثقافية.
    تنبيه : الميمياء ليست علماً بالمعنى الكامل وإنما شبه علم

    كتاب خلاصة الميمياء (ملاحظة : الكتاب خلاصة ضخمة) @
    http://bit.ly/heHsTX

    نصر الله الإسلام والمسلمين

أضف تعليقاً