الحجاب وكر عقارب في رواية مريم الحكايا لـ علوية صبح
هي بضع اقتباسات من رواية “مريم الحكايا” للروائية اللبنانية (المقلة من حسن الحظ) علويّة صبح ، قيل أنها أحدثت ضجة كبيرة لدى صدورها ، تثنّى لي قراءة مقتطفات وافية منها من خلال مبادرة “كتاب في جريدة” (*) التي تصدر في سوريا الأربعاء الأول من كل شهر كملحق مع جريدة تشرين.
لن تقرأ هنا تعريفاً بعلوية صبح ، كما لن تقرأ نقداً روائياً للرواية ، و لا حتى تصفحاً و استعراضاً للراوية بجملتها ، بل اقتباسات استوقفتني و أنا أقرأ الرواية .. استوقفني أن تصادر امرأة حق امرأة أخرى في اختيار عقيدتها و زيها و قرارها .. أن تدخل أنثى إلى عمق النفس البشرية لأنثى أخرى تزعم أنها تؤمها الروحي ثم تستنطقها و تشحنها عدوانياً باتجاه مضاد ..
أمور أخرى استوقفتني لن أتوقف عندها هنا ، كالفتاوى التي لم يسمع بها إلا الكتابة من قبيل :
“اتفق جلال و أهلها أن ينتظروا ريثما ينتهي شهر محرم لأن الزواج فيه غير مستحب” !!.
و من نحو :
“تمشي رافعة يديها بعدما تتوضأ لتصلي ، حتى لا تتنجس إذا لمست الحائط أو خشب الباب أو كتف أحد أولادها و إلا ستضطر إلى الوضوء من جديد”…
و كأن التي تتحدث عنها قبيسية (**) مغرقة في التشدد ..
الآن أترككم مع فقرات من رواية مريم الحكاية للكاتبة علوية صبح :
“كان الثمن الذي يدفعه كل جيل من أخواتي البنات يمهّد لبعض التحرر للجيل التالي، و كان الضرب أحد الأثمان التي دفعناها بالتدرج حتى وصلنا أنا و أختي مها إلى خلع الإيشارب نهائياً في منتصف السبعينيات.
لكن الطريق أمام ابتسام كان أسهل من طريقي ، حين كانت تلبس ثوباً قصيراً أيام الجامعة ، قبل الحرب ، كانت ضحكة والدها تتسع لتصير خلف أذنيه و هو يقول لها بإعجاب : شوهيدا يا بابا ، شو هالحلو ، فشرت نجلاء فتحي”.
في فقرة أخرى عن تحكي عن صديقتها ياسمين التي تحجبت لاحقاً :
“لم أفهم من أين أتت ياسمين بكل ذلك الخوف من الدنيا ، بكل ذلك الخوف من أن تكون مختلفة عمّن حولها. و هي التي طالما حلمت في الماضي بالتمرد و الاختلاف بصوتها و لهجتها و أحلامها و تفكيرها و جسدها ، عن دنيا أمها و عائلتها و الحيّ الذي تسكنه و هي صغيرة.
لماذا خافت من أحلامها الصغيرة و صارت تراها و كأنها (عورة) مثلما ترى جسدها كله.
تقف أمامي و تعدد لي عوراتها على أصابعها : الصوت ، تحت الدينين ، اللسان، العينين، لا، لا، يمكن الكاحل لا.
لا أعرف لماذا صارت تخاف من الدنيا كلها، كأنها انقلبت إلى الضفة الأخرى من الخوف.
صار حنك ياسمين يرتجف و تبرز عضلات وجهها المستكين دوماً ، وتتطاير نظرات عنيفة و غاضبة من عينيها إن رأت حتى ابتسامة لامرأة تختلف عن ابتسامتها هي ، أو شاهدت مشية أو ضحكة أو ربما دمعة تختلف عن مشيتها أو ضحكتها أو دمعتها. تجمد عضلات وجهها في تكتلات تتحرك صعوداً و هبوطاً إن أحست بشهوة للدنيا في جسد أيّ امرأة عابرة قربها ، بل و ربما تتمنى لو تسحب روح الابتسامة من ثغر أي امرأة تبتسم بين الرجال و في الشارع ، إن لم تشبه ابتسامتها المنكسرة”.
و عن ياسمين أيضاً :
“حين شاهدتها بالثوب الرمادي الشرعي أواخر ايام الحرب ، و بغطاء رأسها الرمادي لأول مرة ، لم أعرفها ، رأيتها ياسمين أخرى لها رائحة الرماد بدل رائحة الياسمين التي كانت تفوح منها ، صارت تحدثني عن الخوف من الدنيا ، و عن الأمان في الآخرة.
قطعتُ حديثها و قلت لها:
بس نحنا النسوان كأن ما عملنا شي من أول القرن لهلّق ، معقول نرجع نفيّق عقارب مخبّاية تحت هالحجاب. عقارب مخبّاية بجسمنا صرلا نايمة خمستالاف سنة ، و شلحنا الحجاب لنطلع من أوكارها ، من تحت تراب جسمنا يللي مخباية تحته و عم تعقوص فيه؟
صارت تستشهد بأقوال المؤمنين و بالسترة ، كما كانت تستشهد بأقوال الثوريين و بالنضال.”
هنا ينتهي ما أردتً اقتباسه و هو كاف لإعطاء صورة جيدة عن الطرح الذي تقدمه علوية صبح فيما يخص الحجاب ، فهي ترى أن المحجبات لم يتحجبن إلا بالضرب و إلا لخلعنه و تحررن منه ، و هن يناضلن باستمرار لـ “شلحه” !
و المحجبة برأيها : “تتمنى لو تسحب روح الابتسامة من ثغر أي امرأة تبتسم بين الرجال و في الشارع، إن لم تشبه ابتسامتها المنكسرة .. لاحظ المنكسرة .. فالمحجبة دائمة الانكسار !
و أيضاً على رأي علوية : فالمحجبة بحجابها تفوح منها رائحة الرماد و الموت خلافاً للسافرة التي تفوح منها روائح الياسمين ..
و الأهم من ذلك برأيها: أن الحجاب وكر للعقارب مخابية و عم تعقوص فيه .. !!!!
لكن لم تنتهي الرواية بعد ..
هناك اقتباس آخر :
“علوية تحكي عن الحياة؟
لم أفهم أي حياة تقصد ، هي التي لا تخرج من الشارع الذي تسكنه منذ أكثر من عشرين سنة ، و إن خرجت منه و من محيطه تضيع”.
الآن انتهت الرواية ، انتهت بحقيقة أن علوية صبح لا يحق لها أن تحكي عن الحياة ، فهي متقوقعة على نفسها ، أو منزوية كما تكرر مراراً في الرواية ، و من الطبيعي لمن هي هذه حالها ألا ترى أبعد من أنفها ، و أن تصدر عنها أحكاماً مسبقة على الأشياء والشخوص و الأفكار و المعتقدات ..
علوية صبح “عقرب” تعيش في وكرها الذي تسكنه منذ أكثر من عشرين سنة ، و إن خرجت منه و من محيطه تضيع .. هكذا قالت مريم الحكايا عن صديقتها علوية التي آلت على نفسها إلا أن تستنطقها عوضاً عنها توغلاً في الإنزواء و التقوقع ..
هامش لا بد منه :
(*) أرحب أن تزور موقع مبادرة”جريدة في كتاب” و أن تقوم بتحميل نسخة من “مريم الحكايا، مقتطفات” و لتقرأ في مقدمة النسخة تعريفاً بالرواية و بالكاتبة تروي فضولك.
(**) القبيسيات حركة نسائية دعوية بدأت في سوريا في الفترة الأخيرة من القرن العشرين ، و يشاع عن المنتساب إليها التشدد المفرط من نحو عدم لبس البنطال كونه ذكر مثلا .. الإشاعات التي نفتها مراراً منتسبات الحركة .. فضلاً عن استنكار علماء الشريعة في دمشق لهذه الظاهرة المخالفة لمقاصد الشريعة .. أذكر ذلك لأقول أن ما ذكرته علوية صبح في روايتها هو تشدد لم يشاع عن طائفة من النساء في العالم الإسلامي إلا عن القبيسيات ، فضلاً عن حقيقة أن الواضح من الرواية أنها تحكي قصة مجتمع ذو خلفية دينية شيعية…














