حكايات ثائرة .. البيضا

اعتدنا أن نبشّ وجوهنا في رمضان بشاشتنا في العيد، بالعادة رمضان عيد طويل، و الكل يبش فيه!
لم تصلني أية رسالة تهنئة برمضان، ولا واحدة، حتى بالبريد الإلكتروني أو أثناء دردشة أو حتى بشكل مباشر .. هل نسي الناس التهنئة برمضان ؟
تحدثني نفسي أن ربما أرجئوها إلى يوم فرح أكبر .. عيد أطول من رمضان ..
سأحكي لكم حكاية، حكاية من حكايات ما قبل النوم .. لكن للكبار .. لأنها حكايات ثائرة .. !

في 12-4-2011 كنت ما أزال مسجوناً في أحد أفرع الأمن، طوال 25 يوماً تُركتُ مكبلاً ومطمشاً و مغطى ببطانية عسكرية، نعم طوال الوقت، مستيقظاً ونائماً على هذه الحالة، لم يضعوني في زنزانة كبقية الموقوفين، لقد وضعوني في الكوليدور (الممر)، ما يعني أن السجانين سيجعلون مني كرة يرفسونها كلما مروا ناحيتها ..
في ذاك اليوم اقتحم أكثر من 5000 عنصر أمن و جيش قرية البيضا، قريتي و مسقط رأسي، اجتاحوها بتغطية مئات آلاف الرصاصات التي انهالت على أحواش القرية و مبانيها، لم يتوقف إطلاق الرصاص ولو للحظة من الساعة التاسعة و النصف صباحاً و حتى المغرب عند غربوا عنها ..
بعد يومين ظهر فيلم قرية البيضا الذي تعرفونه، كانت تلك المشاهد المهينة جزء من صورة كبيرة .. !

لحظة: عندما تسمع كلمة فعّس فعّس ركّز على أمرين : الذي يدوس هو ابن قرية مجاورة، وكان يزور القرية دائماً و يأكل اللحم المشوي في ساحتها مع شباب القرية بكل حبّ، وأبوه جابي الكهرباء في القرية. أما المداس: فهو رجل وقور، وهو محام معروف له قدره في البيضا و بانياس اسمه محمد قدور، وابناءه يدرسون الطب و الهندسة، وهو رئيس الدائرة القانونية في بلدية بانياس !.

فـ فيلم قرية البيضا يظهر الشبيحة تدوس على أهالي قرية البيضا ، لكنه لا يظهر أن الشبيحة قتلو شاباً مسيحياً اسمه حاتم حنا، لقد كانت محاولة يائسة لبث الفتنة الطائفية بين مسلمي القرية و مسيحييها، لكن تتشيع جثمان حاتم من الكنيسة كان مهرجاناً وطنياً أصيلاً.


أهالي قرية البيضا من المسلمين ينضمون لإخوانهم المسيحيين في تشييع حاتم.

ولم تُظهر مشاهد فيلم البيضا قتل الشبيحة لعائلة من أم و طفلين من المزارعين البسطاء في القرية (وهم بالمناسبة من تلبيسية كانو يعملون مزارعين لدى أهل البيضا، كان مقتلهم بهذه الصورة سبباً لتأجيج الأوضاع في تلبيسة)، كما لم يعرض الفيلم الشبيحة و هم يداهمون بل يخربون مسجد القرية و كنيستها، كان ما تعرضت له الكنسية لا يقل عما تعرض له المسجد من تدنيس و تخريب.

الفيلم أغفل أيضاً أن الشبيحة اقتحموا البيضا أرضاً أرضاً وحرشاً حرشاً وبيتاً بيتاً .. ومع أنهم لم يجدوا قطعة سلاح واحدة .. فإنهم أوغلوا في سرقة كل بيت دخلوه، وقاموا بإتلاف كل المؤن الموجودة في البيوتات من زيت و زيتون و سكر و برغل و قمح و خلافه .. لقد أتلفوه جميعاً .. قاموا بتكسير أثاثات البيوت و المحلات، و أطلقوا النار على المواشي .. وسرقوا حصاد العمر من ذهب و مال .. وجمعوا كل ما وجدوه في القرية من دراجات نارية و صادروها .. وأصيب عدد من أبناء القرية بجروح خطيرة وهم في منازلهم.

كانوا يجمعون شباب كل حيّ في الساحة فيعصبون أيديهم إلى الخلف بشريط KKM الخاص بالهاتف، ويرمونهم فوق بعضهم البعض، و يدوسون عليهم و يجبرونهم على الهتاف لبشار.

القصة الحزينة لم تنته هنا، فالسيارات التي كانت معدة لنقل هؤلاء كانت موجودة في القرى المجاورة مثل قرية المورد و قرية الزوبة، تلك القرى يقطنها أناس من طائفة غير طائفة أهل قرية البيضا.. كانوا يحتفلون بانتصار الشبيحة بطريقة تجعل من معاني الوحدة الوطنية مسخرة الدهر .. ومع أنّ توصيف الفعل الطائفي ليس فعلاً طائفي حسب قناعتي، إلا أني أمتنع عن إيراد تفاصيل كزيادة في التحفظ و التمسك بعرى الوحدة الوطنية التي لا تليق بكثير من خلق الله !، على أن من يضغي جيداً لهذه المقاطع المرفقة مع هذه التدوينة ليحيط بالصورة التي أتجنب ذكرها.
سُجن قرابة 500 رجل من القرية، بعضهم قاصرون وبعضهم يزيد عمره عن سبعين عاماً ..!
لقد خلت القرية من رجالها وشبابها .. هنا؛ كان لنساء القرية موعد في اليوم التالي على الأستراد، إذ قررن الاعتصام وقطع الطريق الدولي حتى الإفراج عن أبناء القرية..

أحد الذين كانوا في بانياس و يسمسر في عملية تهدئة الناس وشراء الذمم هو د. بسام الصباغ، وهو و بكل ألم من مشايخ و مسؤولي مجمع كفتارو، لقد جاء كواسطة محملاً بملايين الليرات لتوزيعها على المشايخ و الوجهاء في بانياس و قراها لدفع الناس عن التظاهر و صدهم عن المطالبة بحريتهم.
لم يأت د. الصباغ ليطلب من المشايخ منع الناس من المظاهرات أو عدم حثهم عليها، بل جاء ليأمرهم بذلك؛ فهو قد أخذ عليهم البيعة بالسمع و الطاعة و هم ملزمون بطاعته .. كان هذا رده على سؤال من أحدهم في إحدى جلسات مزادات الذمم، وبالمناسبة : لمّا حاول زيارة قرية البيضا لشراء ذمم بعض أهلها، قام أهاليها بطرده ..
وعلى ذكر الزيارات أيضاً، أذكر أن تلفزيون الدنيا قد زارت القرية حينها، فسأل أحد وجهاء القرية طاقمها قائلاً : هل أنتم قادرون على قول حقيقة ما جرى؟ (هكذا بالحرف)
أجابت الصحافية : لا !،، فطُردوا من القرية .
أنا،، ما زلتُ في السجن، نعم، ولم تكن هناك بوادر إفراج قريب .. لم أكن حزيناً في السجن، بل كنتُ أشعر بالأنس بالله، فهذا القلب المنهك لا يرتبط بالله و يصله إلا في حال الشدة والضنك .. وكان لي زمن لم تدمع عيناي أنساً بالله.. كان السجن (و تحت البطانية العسكرية) مكان جيدٌ لتأدية طقوس ذاك الأنس .. !
كانت نساء قرية البيضا و من يقوم بالتواصل مع سماسرة النظام قد حشروا اسمي في قائمة المطلوب الإفراج عنهم لفض الاعتصام .. وفعلاً أفرج عن جميع أبنائهم بعد أن أمضوا 24 ساعة عذبوا خلالها عذاباً شديداً، وأفرج عني في اليوم التالي (14-4-2011)، بعفو كريم من نساء قريتي العظيمات …!

وكانت نساء بانياس أبين إلا الإنضمام إلى نساء البيضا، واستثمروا الوقفة لينقلوا للعالم معاناة المدينة ومصابها أيضاً.

كان على عاتق شباب بانياس أن يثبتوا للعالم أن هذه الأحداث وتلك الساحة كانت البيضا، اتصلو بمحمد حبش، و بعبد السلام راجح عضوَي مجلس الشعب، وحكوا لهم بالتفصيل كل شيء عن القرية ومأساتها، لكن الشيخين الذين استقبلا اتصالات أهالي القرية بالدعاء لهم و التأسف على ما أصابهم خرجوا لاحقاً على الإعلام و “أدن من طين وأدن من عجين” !
ذهب بعض شباب بانياس إلى قرية البيضا، وصوروا القرية من مختلف زواياها، و تطوع الشاب الرائع أحمد بياسة بالظهور بهويته ليعلن الحقيقة على الملأ : أنا أحمد بياسة، هذه قريتي، ومن هنا مرّ الشبيحة !!.


لم يعتقل أحمد بياسة بسبب ظهوره الإعلاميّ هذا .. ولعلك تستمع أكثر من مرة إلى رسالته التي أوجز فيها ببساطة كل نازلة البيضا .. !

بعد أن أفرج عني ذهبت إلى قرية البيضا، و عشت فيها شهراً كاملاً، واستمعتُ إلى شهادات الناس و حكاياتٍ حاولتُ مراراً أن أجد روايةً مختلفةً واحدةً لها .. لكن عبثاً !
يوم 7-5-2011 اقتحم الشبيحة قرية البيضا للمرة الثانية، وهذه المرة كنت أنا موجوداً في القرية، لقد انتشر شباب القرية في البراري و الأحواش خوفاً من الاعتقال، وتواريتُ أنا أيضاً، وعشت مع أهل القرية أيام حرب حقيقية يحارب فيها النظام شعبه بلا سبب .. كل رجال القرية من الأطفال إلى الشيوخ كانو مختبئين في البراري .. فهذا النظام لا يفرق بين شاب و طفل و شيخ …
كان الاجتياح الثاني صورة مخففة عن الاجتياح الأول .. نفس الأحداث لكن بصورة أخف .. ولكن هذه المرة وضعوا ثكنات عسكرية في محيط القرية استمر وجودها أكثر من شهر، الأمر الذي أنهك الأهالي و عيشهم في رعب مستمر.
كان ممن اعتقل في هذا الاقتحام ثلاثة أشخاص يحملون اسم “أحمد بياسة” على اسم أيقونتنا العظيمة .. أحد الثلاثة كان رجل عمره قرابة ستين عاماً، و كان أصيب بطلقة في رجله، فاعتقلوه جريحاً، و يبدو لي أن اعتقال أحمد بياسة الجريح هو من تسبب بلبس بالأسماء لدى منظمات حقوق الإنسان ما دفعها لتصدر بياناً تناشد فيه أهل المروءة للتدخل حفاظاً على حياة “أحمد بياسة” الشجاع و المعروف .. و قد كان ذلك البيان رحمة وفرجاً لكل معتقل اسمه أحمد بياسة.
أما أحمد بياسة الأيقونة، فقد كنتُ أراه كل يوم و هو يذهب و يروح على دراجته النارية إلى أرضه، وكنت أرى اسمه على الشاشات كشهيد حرية جديد .. و نتبادل الابتسامات والتحايا .. طُلب أحمد للجنة الأمنية في طرطوس، والتقاه “رفيع المستوى”، ولما رآه ببساطةِِ “أحمد بياسة” قرر أن يهديه وظيفة في مشروع مياة القرية، وطبعاً بعد أن أهداه أحمد اعترافاً يُكذّب فيه القنوات المغرضة .. مرغماً !!
ظهر أحمد بياسة على قنوات النظام ليعلن حقيقتين: الأولى :أنه بخير، والثانية :أن الإعلام السوري كذاب و غبيّ ..!

نهاية القصة الحزينة أن أرسل الرئيس موفداً إلى بانياس و قراها وهو أسامة عدي، وكان مقبولاً لدى عامة الناس هناك، وحكى له الوفد كل القصة، و جاءه بشهدات و شهور و حقائق و أفلام، فقال أسامة عدي أن هذه الأزمة يجب أن تصل إلى الرئيس عن طريق أبناء القرية لكبر حجمها و فظاعتها، وأمر بتشكيل لجنة لمقابلة الرئيس، وتشكلت اللجنة، ولم تذهب لمقابلة الرئيس.
بعد أيام، جاءت لجنة للتحقيق في مأساة البيضا، وكان على رأسها المحامي المشهود له بالنزاهة محمد ديب، المحامي العام الأول في سوريا، مع أربعة محققين مستقلين، وقال لأهالي قرية البيضا في صالة مسجدها : “لقد جئنا إلى البيضا متضامنين للتحقيق و توثيق ما حصل، و نحن تحت تصرفكم”، وكان أرضى هذا الكلام الفئة الغالبة من أهالي القرية المنكوبة، بالأخص وأنه لم يتبق في القرية مال أو طعام أو شراب، كان من الحضور أيضاً القاضي أحمد ابراهيم وهو من بانياس، و الكاتب بالعدل أحمد البدوي.
في اليوم التالي “اضطرت” اللجنة للسفر إلى دمشق و كلف القاضي أحمد عبد السلام بالقضية، واكتفى بعشرين شهادة من أهالي القرية.
كان كل ذلك قبل اقتحام قرية البيضا الثاني .. و بالطبع لم يستجد شيء .. لم ينتج عن لجنة التحقيق التي قادها المحامي العام الأول أية نتائج .. لم يكن هنالك أية تحقيقات جديّة … !

هل أعجبتكم حكاية ما قبل النوم هذه ؟
هل أحكي لكم حكاية أخرى؟

26 تعليق على ”حكايات ثائرة .. البيضا

  1. حسبنا الله ونعم الوكيل .. الاستباحة نهج دائم لهم .. طالما أنك سوري وتسكن في سوريا فأنت مستباح .. أو على الأقل قابل للاستباحة

  2. حقٌ علينا أن نقبل رؤوسكم يا أهالي البيضة على تضحياتكم و حقٌ لكم أن ترفعوا رأسكم بين الجبال الشامخات فأنتم أبطال البيضة
    حفظكم الله من كل سوء و أثابكم كل خير على تضحياتكم

  3. جزاكم الله خيراً على توثيق رائع لما جرى في بانياس الحبيبة. لله دركم اهل بانياس و البيضا.

  4. أخي أحمد سلمت يمينك وبارك الله فيك
    صعقت جدا عندما علمت ان المقتحمين هم من جيرانكم وممن تضيفو في دوركم
    حسبي الله ونعم الوكيل
    ننتظر ذكرياتط في المعنقل بارك الله فيك وآجرك

  5. هذا غيض من فيض يا اخي و ادرك تماما” حجم المعاناة و الالم الذي عانته و تعانيه هذه القرية الحرة. و هذا ينطبق بالحرف و اكثر على كل المناطق السورية التي مر بها الشبيحة و الامن و الجيش

  6. ستبقى البيضا أيقونة في حكاية الحرية و لن ينسى السوريين فضل أبنائها في فضح جرائم العصابة المتسلطة على الحكم

  7. بارك الله فيك يا أخي وبانياس تفخر بك وبأمثالك وباذن الله ننال مرادنا والنصر قريب ان شاء الله .

  8. لله درك يا سورية،أيهاالجيش،أيهاالحامي، ياإبن البلد ،احمي شعبك احمي وطنك وخذ منه ما يدهش العالم.؟؟
    الله محيي الأحرار الله محييك يا أحمد انما الصبر ساعة.!!!

  9. على راسي يااحمد ايقونة سوريا كلها انت والبيضا
    ساحج الى ساحة البيضا و ساقبل ايادي الامهات و رؤوس الاحرار فردا فردا و احج الى مكان اختبائك و الى احراش البيضا و اراضيها

  10. حكايانا الثائرة دائماً ما تكون ممزوجة بالألم ..
    آلمتنا حكياتكم هذه ولا أحسبها تنفع ” حكاية ما قبل النوم ” !..
    حفظ الله جميع أهلنا في سوريا وحفظكم الله أخ أحمد .. ولشجاعتكم نصيبٌ من إعجابنا ..

  11. أخي أحمد،

    سنخبئ كل التهاني ونجمعها ليوم الفرح الأكبر في العيد الأكبر.. يوم سقوط النظام وتشكيل حكومة وطنية حقيقية إن شاء الله.

    حماكم الله يا أهل الوجوه البيضا.

  12. إننا نفتخر بك و بإمثالك و بكل اهالي قرية البيضا الغالية , و نوعدكم بإخذ الثأر و القصاص ممن فعلو هذا بكم , بغض النظر عن الطائفة أو القومية , إننا في ذات المصاب و في نفس الخندق , جعل الله سبحانه و تعالى لنا مخرجا في سوريا مما يحصل على أيدي شبيحة النظام و أجهزته الأمنية و قوات الجيش , إنهم فانون لا محالة و انتم من سيخلدكم التاريخ و الإنسانية و الكرامة , و إن الله لا ينسى و لا يسها و لا يضيع حق عنده , فحسبنا الله و نعم الوكيل .

  13. صديقي أحمد،
    أسلوبك رائع.

    الليل ولى لن يعود، وجاء دورك يا صباح.

    ان شاء الله راح زورك في البيضا قريباً :)

    كنان

  14. شكرا أخي أحمد …. أستأذنك بالقول أن هذه الحكايا تنفع أن تروس بحكاياما قبل الاستيقاظ فالشعب أثبت بكل رقي وصبر أن لانوم بعد اليوم ….

  15. مشكور عالجهد و بدي منك تنشر المفالة اللي بعتها لاخوك بالسعودية(الثورة السورية و الخيار الصعب ) على موقعك

أضف تعليقاً