يا الله ..
حسناً؛ يبدو أن لا مفر من الكتابة عن رحلة توقيفي القصيرة و الغير حافلة، إذ إن كثرة السؤال و الإلحاح على الكتابة تجعل الهروب إلى الكتابة أيسر من الهروب منها !.
سأحاول جهدي الإجابة على كل الأسئلة التي يرغب الفضوليون معرفة إجاباتها، وأنا إذ أكتب عن هذه الرحلة فإني منحاز إلى حقيقة ما جرى معي دون أية مداهنة أو مماراة.

الساعات الأولى:
الساعة الخامسة فجراً توجهت إلى مقر الشركة الأهلية للنقل ببانياس، و حجزتُ تذكرة في رحلة الساعة الخامسة و الربع، و صعدتُ مباشرة إلى الحافلة، جلست في مقعدي حتى صارت الساعة الخامسة و الثلث، تأخر السائق بالصعود إلى مقمرته و بدأ الناس بالتأفف، لحظات و يصعد إلى الحافلة أربعة أشخاص ، توجهوا إلى المقعد رقم 30 حيث كنتُ أجلس، طلبوا تذكرتي ليتأكدوا من أني المطلوب، همس في أذني أحدهم قائلاً: ممكن تنزل معنا “شوي”؟
و توجهوا بي بسيارتهم إلى مقر مفرزة الأمن العسكري ببانياس، حيث جلست في مكتب رئيس المفرزة الذي أبدى بشاشة و لطف حتى الساعة الثامنة حيث يبدأ الدوام الرسمي، و توجه بي رئيس المفرزة إلى فرع الأمن العسكري بطرطوس.

في فرع الأمن العسكري بطرطوس:
بدأ التحقيق معي مباشرة، يبدو أنهم لم يكونوا متأكدين مئة بالمئة من أني الشخص المطلوب، فتحققوا بالسؤال عن اسمي، و عما إذا كنت أملك حاسوباً ، و ما إذا كنت أكتب على الفيسبوك، و ما إذا كنت أكتب باسم مستعار، و سألوني ماهو لأجيبهم بلا تردد بأنه “أحمد أبو الخير”، أكملوا الاستجواب بسؤالي عن رقم جوالي و أخبرتهم به ليتأكدوا من أنه ذاته الذي بحوزتهم!.

في الحقيقة أن التحقيق في فرع طرطوس كان شاملاً ، كنت أشعر بضغط نفسي كبير، لقد طبعوا على ورق كل حرف كتبته على صفحتي على الفيسبوك، و كل حرف كتبته في مدونتي هذه ، وكل كلمة تفوهتُ بها عبر هاتفي الخلوي، و أكثر من ذلك كل كلمة كتبتها على الإنترنت منذ عام 2005 إلى اليوم حيث أني من شدة ذكائي كنت أحتفظ بالمواد التي سبق و أن نشرتها في مدونتي ثم حُذفت لسبب أو لآخر على فلاشة، و هذه الفلاشة كانت موجودة معي لحظة اعتقالي، أضف إلى ذلك أنهم داهموا -بطريقة غير مسيئة- بيتي و جاؤوا بجهازيّ الحاسب (لابتوب و ديسك توب) و فرغوا ما فيها على ورق و استجوبوني على ما شاهدوه فيها، في الحقيقة أنا أشعر الآن بالراحة كونهم حققوا معي في كل ما كتبت و نشرت :).
أمضيتُ في فرع طرطوس يوميّ السبت 19-2 و الأحد، و حوّلوني إلى فرع فلسطين بدمشق صباح الإثنين 21- 2 ، في يوم ذكرى ميلادي الثامنة و العشرين !!

ما هي التهم ؟
لم تكن هناك تهم بقدر ما كانت علامات استفهام لديهم أرادوا معرفة إجاباتها وإزالة الغموض الذي يكتنفها!
في طرطوس سألوني عن عبارة”أدفع رياح التغيير” التي كتبتها في صفحة التعريف الخاصة بي على الفيسبوك تحت بند الآراء السياسية.
كلمة “التغيير” – التي ترددت كثيراً في مقالاتي خلال رحلتي التدوينية الطويلة، و تتويتاتي عبر الفيسبوك – كانت عنوان أبرز جلسات الاستجواب في طرطوس بخلاف الاستجواب في فرع فلسطين.
سألتُ عن أشياء كثيرة، أعتقد جازماً أنها لم تكن أكثر من علامات استفهام غامضة لديهم، و عند معرفة حقيقة الأمر كنت أشعر بأنهم يقتنعون، و إن أعادوا علي نفس الأسئلة مرات عديدة.

في فرع فلسطين:
كان لديّ انطباعين مسبقين عن فرع فلسطين :
الإنطباع الأول: و هو المعروف و الذي تتحدث عنه إلى اليوم جمعيات حقوق الإنسان من أنه ظلامي و تمارس فيه أبشع أنواع التعذيب.
و انطباع ثانٍ : يعود الفضل فيه للمدون السوري طارق بياسي الذي زار الفرع مرتين، مرة في أول فترة اعتقاله بالعام 2007، و أخرى أواخر فترة محكوميته بالعام 2010، و قد ذكر لي أن فرع فلسطين الآن أصبح شيئاً مختلفاً، حيث الضرب ممنوع و الكمرات موزعة في كل مكان لضمان عدم إهانة الموقوفين.

و أنا أشهد –بحسب ما رأيت- أن فرع فسطين خالٍ من أية صور للتعذيب، و أن الكاميرات موزعة في كل مكان منه، بما فيها الغرفة التي قضيت فيها ليالي حبسي هناك، لم تكن -تلك الغرفة- مهجعاً، بل كانت بتصوري غرفة تحقيق عادية، و هي غرفة نظيفة ، يتوفر فيها مكيف و شوفاج للتدفئة و كان يشغل كل يوم بميعاد، و من المهم أن أذكر أن الكاميرات كانت تؤثر فعلاً على سلوك و عقلية العناصر ، حيث يمكن ملاحظة أنهم يخافون الكاميرات التي تراقبهم أثناء تحقيقهم أو تصرفاتهم داخل السجن، و أنها تنهاهم عن استعمال أيديهم أثناء التحقيق مع الموقوفين.
أنا أطمئن كل من سأل أني لم أتعرض لأيّ امتهان ، ولو أنه حدث لكنتُ أشعتُ ذلك من يوم خروجي بلا تردد .. !
من جهة التحقيق معي في فرع فلسطين فكان مركزاً على انتمائي و توجهي، و ما إذا كنت كتبتُ ما كتبتُ بدفع و تحريض من أشخاص آخرين، و ما إذا كنتُ منتسباً لأية أحزاب أو مجموعات، و ما إذا كنتُ شاركتُ في الدعوات لشيء ما أو وزعت منشورات، و كان جلياً لديهم أني براء من ذلك !.

ما مصير أماناتي؟
لدى خروجي أعادوا إليّ كل أماناتي، جهازيّ الكمبيوتر، محفظتي بما فيها، جوالي، لكن احتفظوا بالفلاش ميموري باعتبارها تشكل وثيقة و “ممسك” عليّ، و قد طالبتُ بها، وكان الجواب أن الطالب الراسب يجب أن يدرس أكثر لينجح !

لماذا خرجتُ بسرعة البرق؟
عندما وصلتُ إلى البيت عائداً يوم الإفراج عني استقبلتني أختي الصغرى بالقول : “شو يا زلمي ، بس أسبوع؟ عل الأقل اقعدلك شي شهر عندون، و الله سودت وجهنا”، كانت تمزح طبعاً ، لكن و بأمانة، فقد سمعت هذه العبارة ذاتها مرات عدة، حتى جعلها بعضهم محط تشكيك بي و كأنه يقول: جندوك بسرعة و طلعوك؟
على أية حال أعتقد أن السبب الوجيه لخروجي بهذه السرعة الصاروخية الغير معتادة في حالات شبيهة: هي أنه لا جرم عليّ من جهة، و أن الظرف الراهن الذي نعيشه يقتضي عدم توقيف من لا جرم له لفرات طويلة؛ بالأخص إذا حظي بالاهتمام الإعلامي كالذي حظيتُ به .

هل حقاً كانت رحلة رائعة ؟
بعد خروجي مباشرة كتبت على صفحتي على الفيسبوك أنها كانت رحلة رائعة، و كانت تلك الكلمات موضع استفزاز -على ما يبدو- للكثيرين ، إذ اعتبرها بعضهم أنها محاولة لتجميل صورة الأمن و محاولة مني لمداهنتهم.

و برأيي أنّ هناك أكثر من سبب يجعل هذه الرحلة رائعة :
أهمها : أني قابلتُ للمرة الأولى في حياتي السيد اللواء رئيس شعبة المخابرات العامة في سوريا، جسلتُ معه يوم الخميس  24-2 قبل الإفراج عني بساعة لفترة جيدة مكنتني لأقول ما عندي و لأسمع ما عنده.
ما عندي : كان شكوى حول تصرفات أجهزة الأمن و ملاحقتهم لنا بصورة مستمرة، وأعتقد أني أوصلتُ له صوت عدد كبير من الشباب السوري، و قد أخبرني أن أبلّغ على أيٍّ من هذه التصرفات.
ما لدى اللواء : كانت توجيهات مفادها أن حماسنا كشباب يجب أن ينصب في صالح الوحدة الوطنية و اللحمة حول القيادة و عدم الانزلاق خلف كل ناعق.

و من أسباب كونها رحلة رائعة – وهو سبب وجيه عندي- أني تعرفتُ على “أجهزة الأمن” بعين رأسي و حسي لا بالقيل و القال !
لقد كان رأسي محشواً بكلام كثير لم أرى معظمه خلال الأيام الستة، هذا فضلاً عن أني -باعتقادي على الأقل- فهمتُ عقلية رجال الأمن بدرجة جيدة.

كيف عرفوني ؟
ببساطة من خلال رقم هاتفي الجوال الذي كان متاحاً لأن يراه الأصدقاء في الفيسبوك، و كان من ضمن “الأصدقاء” عناصر أمنيون على ما يبدو !
كان خطأً كبيراً أن عبثتُ خلال الشهر الأول بإعدادات الخصوصية و بدون أن أنتبه، بفقد غيرتُ البند المتعلق بمعلومات التواصل من “أنا فقط” إلى “الأصدقاء فقط”، و كان لي أحدهم بالمرصاد، و بالطبع تنتهي القصة عندما استطاعوا من خلال شركة MTN معرفة صاحب هذا الرقم.
سبحان الله؛ استطعت النفاذ خلال رحلتي التدوينية التي أكلمت ست سنوات من خلال إجراءات الحيطة و الحذر التقنية التي أتقنها، و لكني وقعت أخيراً بين يدي القدر الذي لا مفر منه !.

هل جندوني؟
نعم :)
طلبو مني التعاون معهم في حالة ملاحظة أعمال تخريب أو عنف، و أنا وعدتهم -صادقاً- أن أبلغ فوراً عن أية حالات عنف، أو طائفية، أو تخريب تطال أمن البلد، هل قلتُ أني وعدتُهم صادقاً ، لقد فعلت و سأفعل دائماً !.

ماذا عن العروس ؟
كانت أمي قد ذكرت أمامي إحدى “أميرات” بلدتنا الصغيرة لتكون توأماً لروحي المشتاقة ، و قد وجدت أمي لديهم غاية الترحيب و فائض الإقبال ، ثم لما أوقفتُ لدى الأجهزة الأمنية عوملنا بالرفض التام !.
أبلغت أمي أن تجعل في صفات من تخطب لي إلى كونها، جميلة متدينة و ذات علم كونها أيضاً : “عصامية” و “أخت رجال”، وأن تنئى بنا عن الأميرة الجميلة المتدينة العليمة .. المهترئة !!.
لم يكن ذلك من سلبيات توقيفي، كان -حتى من هذه الناحية- خيراً حقيقياً .. أحمد الله عليه !.

شكراً كبيرة!
أنا حاولت أن أقول شكراً ما اسطعت لكل من تضامن و وقف إلى جانبي في محنة الستة أيام، و لكنّ كلمة شكراً لا تفي، و أنا على يقين من أنّ هناك الكثير من الجنود المجهولين ممن أوصلوا خبر توقيفي إلى الجهات الإعلامية و الحقوقية الدولية، لكم جميعاً : شكراً كبيرة، و أسأل الله الكريم أن يمن عليكم بالحرية من كل قيد، و أن يملأ قلوبكم وقلوب من تحبون فرحاً و مسرات.

هل لديك أقوال أخرى؟
لنتفق أن هذه المدونة لن تكون مكباً للشتائم و المسبات و التعليقات المُحرّضة، و لنتفق أن تكون مكاناً للنقاش الجاد و الهادف و المسؤول بعيداً عن أية شحنات سلبية حتى لا أضطر لإزالة أي تعليق يضر بكاتبه .. أو بي.
في حفظ الله الكريم و رعايته.