حديثي لجريدة “الأخبار” المغربية

الأخبار : تحاور المدون السوري الذي صنفته “فورين بوليسي” كأحد أكثر الناشطين تأثيراً في العام العربي

أحمد حذيفة : سوريا تمضي نحو حريتها بلا هوادة

حوار وحيد جودار | جريدة الأخبار /المغرب/ العدد 66 – السبت 2-2-2013.

ليس كبقية الشباب، يسحرك منذ الوهلة الأولى بطيبته الواضحة وتعامله العفوي اللبق، يخوض معك أحاديث جانبية بسيطة حتى إذا ما ارتاح إليك غيّر الموضوع إلى همّه الأول، فتجده يسترسل في شجون الثورة والثوار، متحدثا عن هموم الضحايا وجرائم الشبيحة ومبادرات الثائرين، وعندما تسأله عن مغامراته اليومية وأساليب نضاله وتخفيه وهروبه من الاعتقال، يبتسم قائلا في هدوء: (خليها على الله).

أحمد أبو الخير هو الاسم الذي اختاره المدوّن السوري أحمد حذيفة لينشط به عبر مدونته ووسائل التواصل الاجتماعي على الإنترنت، صنفته مجلة فورين بوليسي كأحد أكثر المدونين العرب نشاطاً و تأثيراً في الرأي العام العربي لعام 2011، ولد في (بانياس) عام 1983 وتابع دراسته الشرعية ثم الصحفية في بدمشق، قبل أن يصبح واحداً من أهم ناشطي تنسيقيات الثورة السورية، ومن أبرز المطلوبين للاعتقال لدى فروع المخابرات والأجهزة الأمنية، ويباهي بأنه من فوج المتظاهرين الذي أشعل الثورة السورية.

 

– لو بدأنا من الخطاب الأخير للرئيس السوري، كيف تلقاه السوريون وما ردكم – كنشطاء – على مبادرته، وكيف كان وقع صفقة تبادل الأسرى الإيرانيين بين النظام والجيش الحر عليكم؟

بشار الأسد لم يعد رئيساً للسوريين، إنه لا يعدو عن كونه زعيماً لمجموعة مافيات من القتلة والشبيحة والزعران، كما أنه ليس برجل مبادرات، إنه أمير حرب وقتل ودمار وخراب، وبصدق كبير لم يتابع السوريون خطابه إلا من أجل الفكاهة والضحك والسخرية، تماماً كما كنا نتابع مغامرات غوار الطوشة، ومن يرغب أن يتأكد من ذلك فليس عليه سوى تفقد صفحات النشطاء وعموم السوريين على شبكات التواصل الاجتماعي.

لكن من الطريف في ما طرحه الطاغية -و ترك للعالم أن يسميه مبادرة أو رؤية أو شوربة- أنه استثنانا منها سواء كنا في الداخل أو الخارج كما قال، فأصلاً – هذه الشوربة ومن حسن الحظ – لا تعنينا، إنها موجهة فقط للمعارضة التي قام هو وأجهزته بتكوينها وهندستها، هو هكذا قال وهذا فعلاً ما تستحقه !

أما صفقة تبادل الأسرى، فقد كانت انتصاراً لوطنية الجيش الحر والكتائب التي فاوضت النظام، ففي حين لم يميز أبطال الجيش الحر بين المعتقلين من حيث دينهم وطوائفهم وانتماءاتهم، نرى أن النظام يستمر بتجاهل أسراه لدى الجيش الحر ويبادل أسرى دولة أخرى بمواطنيه الذين يفترض أنه يحميهم !! فالمبادرة وضحت بجلاء عدم انتماء النظام السوري لسوريا وللشعب السوري، لقد عُرّي النظام حتى أمام مؤيديه الذين رصدنا الكثير من ردات فعلهم المحبطة من هذه الصفقة، وكان سبق للنظام أن بادل أسرى سوريين لديه بدبابة روسية بضغط من روسيا كان الجيش الحر قد دمرها بصاروخ حراري غنمه من إحدى الثكنات في خان شيخون بإدلب، فالإنسان السوري سواء كان مؤيداً للنظام أو معارضاً هو آخر ما يهتم له الطاغية.

– ما قراءتك للدور العربي الرسمي والشعبي إزاء الثورة وكيف ينظر الشعب السوري إلى المبادرات الدولية؟

لا شك أن شعوب العالم عامة، والشعوب العربية خاصة متعاطفة معنا قلباً وقالباً، يلمس السوريون ذلك أينما توجهوا، وعلى مستوى القيادات، فنحن وإن كنا لا نستغرب كذب الغرب ومماطلته ومراوغته، فإنه يحبطنا جداً سوء معاملة الجيران والأشقاء للنازحين في أحيان كثيرة، حتى بلغ السوء بأن نسمع بموت أطفالنا برداً أو حرقاً في مخيمات النزوح، هل هناك ما هو أسوأ من ذلك ؟

وحتى على المستوى السياسي والدبلوماسي فالوعود كثيرة ولا أفعال، ولحد الآن لم يُرفع الغطاء السياسي بشكل فعلي عن نظام الطاغية، ولم يُعترف بالائتلاف الوطني ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب السوري في دول عربية عدة، والحال أن معدل شهدائنا يزيد عن 100 شهيد يومياً، وأكثر ما يجيده العالم طرح مبادرات وطيها فضلاً عن مسخرة الشجب والاستنكار !

المبادرات الغربية -بما فيها مبادرة الابراهيمي- تعطي الطاغية الوقت والشرعية، وقد تكفلت إيران بما دون ذلك، فهو لا يحتاج منهم لما هو أكثر، ولا تعطينا كشعب مظلوم وثائر أي شيء، اللهم سوى الموت .. الموت كل لحظة.

لو كان الشرق أو الغرب جدياً لأمكنه أن يحمي الشعب السوري من الطائرات والدمار الذي تخلفه على الأقل من خلال فرض حظر جوي، لكن من الواضح أن العالم الغربي يسرّه أن يرى سوريا تتدمر بيد أبنائها، وأن يرى طائراتنا تسقطنا أو نسقطها.

– ميدانياً : ما مدى تقدم قوات الجيش الحر وسيطرته على الأرض ؟

خلال عام 2012 سيطر الجيش الحر على أكثر من 50 ثكنة عسكرية بين لواء و فوج وكتيبة، كما سيطر على معظم النقاط الحدودية مع دول الجوار، كذلك سيطر على عدة مطارات ودمّر حواجز أمنية و عسكرية ومراتع لقوات الطاغية، هذا العمل النوعي أهم بالنسبة إلينا من السيطرة على المدن، لأن فيها مراعاة لسلامة المواطنين الآمنين؛ إذ لا يتورع النظام عن قصف المدن والأحياء على من فيها لو احتضنت أبنائها من عناصر الجيش الحر.

بالإضافة لذلك، المعارك بين كرّ وفرّ، النظام يستخدم الطائرات الحربية لدك كل المدن والقرى حتى إن بعض الأحياء والبلدات سوّيت بالأرض تماماً، وهو فيما يبدو غير مهتم بالسيطرة على الأرض في كثير من المناطق لأنه يدكها من الجو أو عن بعد عبر المدفعية والصواريخ بما فيها بعيد المدى كالسكود وسواها، ولا يتبع ذاك الدك باجتياحات كما قد يُتوقع، واضح أنّ هدفه التدمير الصرف !

– نسمع كثيراً عن الشبيحة، من هم وما هو تأثيرهم في قمع الثورة؟

الشبيحة هم قطعان طائفية ابتكرها الطاغية رفعت الأسد بعهد أخيه المقبور، وترتكب فظاعات غاية في الدموية لقمع الثورة ضد الطاغية بشار، وللتغطية على طائفيتها ضمت إليها قطعاناً من المرتزقة المجرمين من مختلف الطوائف ممن عُدم لديهم الوازع والرادع كبعض آل بري في حلب.

ولأنه لا خطوط حمراء ولا وازع ولا أوامر عسكرية يأتمرون بها، فإن جرائمهم عادة ما تصل إلى حدود يعزّ على صناعي أفلام الرعب في هوليود تخيلها، ودائماً عندما تسمعون عن جرائم وحشية ارتكبت بشكل مباشر، أي بسلاح أبيض أو خفيف لا قصفاً، فاعلموا أنها صنيعة الشبيحة !

– هل تقومون بتوثيق الضحايا، هل هناك أرقام دقيقة للشهداء والجرحى والمعتقلين؟

الثورة السورية ثورة موثقة بالكامل، نوثق كل شيء وبكل الأدوات المتاحة : بالصورة الثابتة والفيديو والشهادات والمستندات، ومع ذلك فهناك عقبات تقف حائلاً بيننا وبين الدقة التامة، الثورة في سوريا ليست في ميدان تحرير واحد، هناك مئات النقاط الساخنة التي  تحدث فيها انتهاكات يومياً، النظام يخطف يومياً عشرات الأشخاص، ونحن لا نعرف عنهم شيئاً، المفقودون يعدون اليوم بعشرات الآلاف، وهؤلاء المفقودون قد يكونوا في قافلة الشهداء و قد يكونوا أسرى.

بحسب اللجان التي توثق الثورة السورية، هناك حتى اليوم قرابة 50 ألف شهيد قتلهم النظام وشبيحته بينهم أكثر من 4000 طفل و طفلة، وأكثر من 4500 امرأة، وهناك أزيد من 200 ألف أسير و أسيرة بينهم أطفال من الجنسين وكبار في السن، والنازحون إلى دول الجوار تجاوزوا 600 ألف بحسب آخر تقرير للأمم المتحدة، وفي الداخل تجاوزا الأربعة ملايين إنسان يعانون أقسى الظروف ويهرعون من منطقة مستهدفة إلى منطقة قد تستهدف بأي لحظة.

– سمعنا مؤخراً عن اعتقال ثلاثة من أخوتك، وسبق لك أن اعتقلت مرات عدة، احك لنا عن هذه التجربة؟

أفرج عن أختي نور -17عاماً- منذ عدة أيام بعد أن أمضت قرابة 50 يوماً في المعتقل، وقد عُذّبت أمام أخويها من أجل الضغط عليهم للاعتراف، وقد اعترفوا بأفعال أكبر من حجمهم وفعلهم نتيجة هذا النوع الغير إنساني من التعذيب، هذه صورة صغيرة عن واقع المعتقلات، هناك أكثر من 1500 حالة موت من التعذيب في السجون منذ بدأت الثورة، وهناك حالات كثيرة للموت اختناقاً بسبب ازدحام الزنازين، بعض المعتقلات مثل الجناح الأحمر في سجن صيدنايا يعتبر أفظع من سجن تدمر سيء الصيت أيام الثمانينيات في عهد الطاغية المقبور حافظ الأسد.

– ماذا عن الانشقاقات، ما أكثرها تأثيراً على النظام ؟

كلّ انشقاق يؤثر في الواقع، في سوريا سمعنا انشقاقات حتى في المجالات الدينية والرياضية والفنية والإعلامية، بالطبع أكثرها تأثيراً هي التي تحدث في الرتب العليا في الجيش وقوات الأمن، وكذلك متقلدوا المناصب السياسية والدبلوماسية، كانشقاق رئيس الحكومة رياض حجاب، ومع الوقت تفقد الانشقاقات المتأخرة تأثيرها وبهجتنا بها، لأن كل من في صف الطاغية اليوم لا يخلو من أن تكون قد تلوثت يداه بدمنا بطريقة أو أخرى، ومع ذلك ما زلنا نسجل يومياً حالات انشقاق لمجموعات كبيرة من العسكريين ونرحب بها.

– هل تتخوفون من حرب أهلية؟

لا مخاوف من حرب أهلية إطلاقاً في سوريا، وبعيدة عنا كثيراً أمنيات الغرب الكذوب، ما نخاف منه حقاً هو استمرار المذابح بحق المدنيين من قبل عصابات الشبيحة، الآن وبعد سقوط الطاغية، وأعتقد أن الحل يكمن لدى عقلاء الطائفة العلوية الذين لم يقدموا لحد اليوم أي مبادرة جدية لقمع أبنائهم وإخماد هيجانهم الطائفي الدموي البغيض.

الجيش الحر وكتائبنا المقاتلة هي نواة جيشنا الوطني، ونعول عليهم في تحرير سوريا وفي سحب السلاح من يد كل مجرم وارهابي وشبيح.

– وما الاحتمال الأبرز لمصير بشار .. و لمصير سوريا أيضا هل ستكرر نموذج مصر الحكم الاسلامي بمصر؟

سندحر الطاغية بعون الله، والشعب السوري حاسم جداً في عدم مسامحته أو إفلاته من العقاب بأي شكل من أشكال الحصانة، وأعتقد أنه يعرف هذه الحقيقة ولهذا يستمر بالتدمير بشكل متزايد.

أما شكل الحكم في سوريا، فهو مدني، حتى التيارات ذات الخلفية الإسلامية تتحدث عن دولة مدنية بمرجعية شرعية، وأيّاً كان ما يختاره الشعب السوري في الدستور الذي يقره وفي الانتخابات التي يجريها بحريته فيا مرحباً به.

– ما رؤيتك للأفق السوري؟ إلى أين تمضي سوريا ؟

سوريا تمضي نحو حريتها بلا هوادة بإذن الله، بعزّ عزيز أو بذلّ ذليل، بقبول الغرب والشرق أو برضوخه، الشعب السوري يمضي على بوصلته، يتعثر أحياناً ببعض الأخطاء، نعم! بكثير من وحشية ودموية النظام، نعم! بعرقلات الغرب وبلادة الشرق، نعم! لكننا ماضون أبداً نحو دولة العدالة والمساواة، ونحسّ بالعناية الإلهية ترافقنا وتجدد عزيمتنا وتحمي بوصلتنا من الضياع.

* أجري الحوار بعد يومين من خطاب الطاغية الأخير، ونشر في عدد اليوم.

15 تعليق على ”حديثي لجريدة “الأخبار” المغربية

  1. الله يحميك خي … الكلام مدروس و رائع و الله يكون مع الشباب بالميدان يا رب …

  2. الله يحميك خي … الكلام مدروس و رائع و الله يكون مع الشباب بالميدان يا رب …

أضف تعليقاً