معلّم الصحيّة أبو أحمد، شهيداً جميلاً !

“بكل الرضى والفخر” هكذا يُزفُّ الشهداء، وهكذا زَفّت تنسيقيات كفربطنا وريف دمشق الممرض والمسعف محمد خالد الحمصي، لم يكن أبو أحمد مسعفاً بالمعنى المهني في الحقيقة، ولا ممرضاً، لقد كان “معلم صحية”، هو أخبرني بذلك !
التقيتُ بأبي أحمد لمرة واحدة  أثناء زيارة قصيرة لكفربطنا، وكان وجهه هو أول الوجوه التي قابلتنا في أحد المستشفيات الميدانية هناك، قال لنا بحزم قبل أن ننزل من السيارة : ارجعو بسيارتكم واركنوها بعيداً عن المستشفى !
همّ الذي أنا بصحبته بالتعريف بنفسه : أنا أبو فلان ! (يقصد أنه من المكانة ما يخوله أن لا يخضع للقوانين الصغيرة !)
– على راسي أبو فلان، لكن هناك تصوير من الجو، ولا نريد أن تُلتقط أي صور تفيد بوجود حركة في هذا المرآب حتى لا يُستهدف المستشفى بالقصف، ردّ أبو أحمد !

كان حزمه واضحاً، وأنا استهبتُ الرجل الذي ألتقيه للمرة الأولى، ومع تجوالنا مع مدير المستشفى الذي راح يطلعنا على الأقسام القليلة له  كنا نلمح أبو أحمد في كل زاوية، فالحياة تنتهي و العمل لا ينتهي!، شاهدته وقد شمّر عن ساعده و ذراعه وأمسك بالمسّاحة وبدأ يمسح أرضية المستشفى، هل هذا هو الشاب المُهاب ذاته ؟

اقترب منه الطبيب، ووقف بجانبه وضمه وقال لي معرفاً به : هاد أب أحمد، عصب المستشفى، نحنا ما بنسوى شي بدونه، هو من ينظم شؤون الخدمة في المستشفى وشؤون المرافق وينظم حركة المرضى ويوثقها .. قلتُ : والنّعم، معناها إلنا قعدة معك يا أب أحمد.
هز برأسه دلالة الترحيب : أي تكرم، ونظر إلى أحد الشباب الإعلاميين المرافقين للمستشفى : وخاطبه مازحاً مبتسماً : هيك الإعلاميين بيكونون هاه .. مو متلكن ما عملتو معي ولا لقاء ؟ :)

لمّا فرغنا من الحديث إلى مدير المستشفى، كان أبو أحمد ما يزال يمسح أرضية المستشفى، طلبتُ منه أن يتفرغ لنا بضع دقائق، فطلبَ إلينا أن نسبقه لغرفة الخدمة التي يقيم فيها أثناء تواجده في المستشفى وانضم إلينا بعد انتظار، جلس على طاولة الكمبيوتر، وبدأ يحكي لي :

– رح افتحلك ع المستندات، هون أنا بوثق كل شاردة وواردة بتدخل أو بتخرج من المستشفى، بهي الجداول، كل واحد بيعمل عملية ساخنة أو باردة، كل مريض بيفوت وبيطلع، وشو حالته وشو عملناله ووقت المراجعات، واللي بيستشهد عنا، كله بالتاريخ و بالساعة، الشهر الماضي عملنا 700 عملية ..  شوف كله مسجل عندي !

أكمل قائلاً :  أنا مهووس بالكمبيوتر، تعملت الكمبيوتر في السجن (قبل الثورة)، ولما طلعت من السجن بعد ثلات سنوات ظلم أول شي عملته إني اشتريت كمبيوتر، ، أنا معلم صحية ومتزوج وعندي ولد والتاني ع الطريق إذا الله أكرمنا، وشغلنا هون لله، ما بنطلب غير رضى الله، أحيانا بتجينا مكافآت، هداك اليوم إجتنا مكافأة لكل واحد 1000 ليرة !
لكن الأصل إنو شغلنا لله، ومو ناطرين مكافأة من حدا، أنا بس تصرلي ورشة صحية بروح بقضيها وبرجع لهون، مافينا نترك المستشفى لأنو القصف هون ما بيتوقف، لما نسمع صوت هاون أو قصف قريب دغري بنهبّ ومنروح أنا والشباب ع مطرح القصف وبنسعف الجرحى.

يوم الخميس 20-12-2012، استشهد أبو أحمد عندما كان في واحدة من تلك الهبّات، هبّ إلى مكان القصف ليسعف من يستطيع، وعلى عادة نظام الغدر؛ فقد استهدف المكان مرة ثانية وكان الخاتمة لقصة الشهيد الجميل أبو أحمد، كان خميس المطر، حيث اغتسلت دمشق وغوطتيها بماء السماء وغيثها المرتقب، سرعان ما حوله النظام إلى ماء كالمهل.

أبو أحمد، هو مثال للجندي المجهول الذي يعمل بكد ودأب وجدية وبلا انتظار لأي مكافآت من أي نوع بما فيها المعنوي، هو لا ينتظر شيئاً، لا ينتظر حتى الانتصار، إنه يصنعه، يصنعه كمعلم صحية، وكأب، وكمسعف و كممرض، و كمدير للخدمة في مستشفى ميداني و كموثق ومنظم لشؤون المستشفى، وهو لا يسمي نفسه بأي ّ من تلك الأسماء التي نتبجح نحن بها، فلا هو ناشط ولا مسعف ولا هم يحزنون .. لكنه اليوم يترك فراغاً لا أشك أن سدّه سيحتاج لعدة أشخاص من أؤلاءك.

يا أبو أحمد، والله إني لأحبك، وإنّ اللقاء بك شرف أن أحظى به وأن أنشره، وهو شرف أتوق إليه عن لقاء كل المشاهير وكل “الناشطين الفضائيين” الذين ملؤوا الدنيا ضجيجاً وصوراً وكسلاً، وسددتَ أنت الثغور التي عافتها أنفسهم المهترئة بالنَّزَعات.
أبو أحمد، شهيداً جميلاً .. حياً و ميتاً.

* الصورة بكاميرتي للشهيد الجميل محمد خالد الحمصي، في غرفته داخل المستشفى الميداني بكفربطنا بتاريخ 9-12-2012 وقت الظهيرة، واستشهد أبو أحمد بعمر 37 عاماً، وأصله من الصالحية بدمشق.
أحمد أبو الخير – موقع قصص شهداء الثورة السورية.

6 تعليقات على ”معلّم الصحيّة أبو أحمد، شهيداً جميلاً !

أضف تعليقاً