في عيادة طبيب الأسنان

هَب أن دبّوسا سميكاً حاداً غُرس بقسوة في موضع أضراسك ، ما قوّة الألم حينذاك ؟
هذا الألم و أشدُّ منه أحاط بفكي لأيام .. يهدأ لوهلة، يتجمع و يتكاثر ، ثم يغافلني و يضرب في مكان واحد من فمي ليسلب مني عقلي فلا يُبقي و لا يذر …
كلما أصبتُ بمرض أقول : هذا المرض أكثر الأمراض وجعا ، مع أنّه – من لطف الله بي – لا تصيبني إلا الأمراض الشعبية التي تصيب جميع الناس كآلام الرأس و المعدة و الزكام و السعال و  ما شابهها ..
و من الطريف أننا في سوريا نعبّر عن ألم الضرس بكلمة “يَلْمَع” ، فلو اشتكى أحدنا من ألم ضرسه يقول : “ضرسي عم يلمع عليي” ، و لا يخفى ما في كلمة يلمع من استشعار للألم فعلا ..
سألتُ بعض الزملاء الشوام عن طبيب “فهمان” أستطيع معالجة هذا الضرس عنده ، فالمكابرة و المصابرة التي أمضيتُ معها أسبوعين لم تعد حلاً يُطاق ، لا سيما و أني جرّبتُ كل أنواع المسكنات حتى أدمنتها و لم تعد تجدي نفعا …
أُرشدتُ إلى طبيب قريب حاصل على دكتوراه في طب الأسنان و محاضر في جامعة دمشق ، فأسرعتُ مهرولاً إليه ..
– السلام عليكم دكتور ..
– اهلين اتفضل .. خير؟
– آ .. امممم فيه عندي هالضرس ما عم يعرف يْهْدى ..
– اتفضل اقعد ع الكرسي .. افتح تمّك لشوف ..
– أي بسيطة .. العصب عندك بدو شيل ، و حنلبس لك الضرس ..
– شلون دكتور ، كيف يعني ؟
– هلق بس شلنا العصب ، الضرس ما يصح يبقى بدون تلبيس ..
– أها ، يعني اللي مطيرلي عقلي هو العصب ؟
– أي طبعا لكن شو ؟
– طيب، و ما فينا نمشيها بشي شغله من قريبو .. يعني نحط حشوة مؤقتة و لا كذا ..؟
– لا ، منين جايب هالحكي؟
– أي طيب ، و شقد بتكلفني هالحكاية ؟
– إذا بدك تلبس ضرسك معدن يكلفك 2000 ليرة، أما لو بدك تلبسه خرف فيكلفك 3500 ليرة ، تسددهم خلال فترة إجراء العميلة . يعني شي خمسة أيام..

و بصراحة ، فلم تكن ميزانيتي مستعدة ، و لم يكن في الحسبان مصاريف من هذا النوع ، لا سيما و أن جامعتي في لبنان تترقب مني الدفعة الأخيرة من رسم التسجيل لهذا العام .. لذلك خرجت من العيادة ناويا المكابرة ، يا أنا .. يا هالضرس !!
و لكن هيهات ! ، فلقد غلبني الضرس بجدارة ، بل بتُ أفقد السيطرة و التوازن من الألم … و كما اعتاد الناس هنا على القول : “وجع الفلس و لا وجع الضرس”  .
اتصلتُ في اليوم التالي بالدكتور عمّار و حددتُ موعداً لأولى الجلسات .. توجهت إلى مركز التصوير الطبي لأخذ صورة بانوراما للفك ، كان الطبيب قد أوصاني بإحضارها في حال أردتُ إجراء عملية ..

الجلسة الأولى كانت أطول الجلسات ، و الأكثر حماسة ، فبعد دقيقة من جلوسي على الكرسي المخصص ، و بعد أن ألقى الطبيب نظرة على الصورة البانورامية و نظرة على الضرس شهر الطبيب سلاحه الذي أمضيتُ ليلتي كلها أفكر فيه .. الإبرة !!..
لستُ أخفيكم أني عندما شاهدتها في يد الطبيب أصبت بالرعب مسيرةَ شهر ، لا سيما و أنّ الطبيب كان قد أمسكها بطريقة دراميّة تشبه طريقة حمل الممثلين السوريين للسيف في المسلسات التاريخية الفاشلة ، قلتُ في نفسي : إجاك الموت يا تارك الصلاة ..
حاولتُ الأخذ و الرد مع الطبيب بشأن الإبرة ، لكنه( ورجاني العين الحمرة ، و لم يعطني وجه) ، لم يكن باليد حيلة ، إبرة و بدك تاكلها ، أغمضت عيني و شددتُ عليها ، غزّ الطبيب الإبرة في فكي …. كنتُ مستعدا للصراخ … لكن المفاجأة كانت في أن الإبرة لم تألمني و لو بنسبة 1% !!!!! … لم تؤلمني البتة .. قلتُ للطبيب خلصت ؟
قال : إيه ، وجعتك شي؟
شعرت بتفاهة و سخف خوفي منها، فالإبرة في صيتها فقط على ما بدا، بل حتى الألم الذي كنتُ أشعر به قبلها خفّ و سكن …
بعد لحظات بدأ البنج يسري في ذقني و وجنتي و لساني من جهة الضرس ..

كانت مهمة الطبيب في الجلسة الأولى هي استئصال العصب (أو اللب بحسب التسمية العلمية) ، و قد استخدم الطبيب لذلك أداة لفتح السن و أداة ثانية لاستئصال اللب ..
لا يوجد ألم يذكر ، اللهم إلا بعض الوخزات التي غدرني بها الطبيب ، كانت مؤلمة حقاً ،، لكنه ألم قصير لم يتجاوز الجلسة …
الجلسة الثانية كانت مخصصة لبرد الأقنية ، و هذه الأقنية هي المكان الذي كان يتموضع فيه العصب الذي استئصلناه في الجلسة الأولى ، بالإضافة إلى توسيع تلك الأقنية و إروائها و تعقيمها ، ثمّ غسلها و تجفيفها بالأقماع الورقية ، ثم حشوها بأقماع الكوتابركا … و طبعا استخدمت أداة مخصصة لهذا البرد و التوسيع و كان ذلك الأكثر إيلاما خلال الجلسات الخمس …

الجلسة الثالثة قام الطبيب بتحضير السن ، فبَرَدَهُ من الخارج ، و حَشَاه بحشوة كومبوزت الدائمة ، ثم أخذ طبعات عن الفكين السفلي و العلوي ، و هذه الطبعات تُأخذ عن طريق وعاء تَنَكيّ مقوّس أكبر من حجم الفك ، توضع في داخله معجونة سريعة الجفاف ، ثم يوضع الوعاء في الفك، و من خلاله يعرف حجم السن ، طبعا عملية لا تخلو على قصرها من ملل ..
اتصل الطبيب بمخبريّ قريب ليختاروا ليَ السنّ الذي يتناسب مع باقي أسناني من حيث اللون ، الألوان متشابهة جدا طبعا ، و تكاد لا تستطيع التمييز بينها ..
في اليوم التالي جرّبتُ السن الخزفي كتجربة أوليّة،  و كان هذا كل شيء في الجلسة الرابعة ، و في الجلسة الخامسة تمّ تركيب السن و تثبيت التاج الخزفي بشكل دائم و نهائي ..

الإبرة لا تؤلم حقا ، لكن الذي يؤلم هو رائحة المساحيق و المواد المستخدمة التي أشعرتني بالغثيان ، بالإضافة إلى تجمع الريق في مؤخرة الفم أسفل الحلق ، لا سيما و أن الطبيب قد يتأخر حتى يسمح لي ببصقها ، و كان قاسيا جدا عليّ ابتلاعها بسبب كراهية ريحها و طعمها مع وجود المواد الطبية و بقايا السن المحفور ، و مع ذلك بلعتُ اللعاب مرة أو مرتين …

و من الأشياء السلبية التي كثيرا ما ألحظها عند أطباء الأسنان عموما هو عدم العناية بتعقيم و تجديد الأدوات ، ربما لا يشعر الطبيب بأهمية ذلك و تأثيره على نفسية المريض لكثرة مرتادي العيادة يوميا ، لكن المريض لا يمكنه تَفَهّم ذلك …
هذه الأدوات ليست عادية ، لأنها تدخل في فم المريض ، و ينبغي أن تكون هناك عمليات تعقيم لهذه الأدوات عقب خروج كل مريض و قبل دخول أي مريض مع إبراز هذا التعقيم للمريض حتى يشعر بالعناية التي يحفل بها …

امتناني للطبيب الفاضل (عمار مشلح) على العناية الطيبة ، و قد أعجبني حزمك الرفيق مع مريضك ، و شكري البالغ لك مرة ثانية لمنحي شيئا من وقتك لتوفير معلومات كتابة هذا المقال.
في حفظ الرحمن …

4 تعليقات على ”في عيادة طبيب الأسنان

  1. عمار مشلح كان دكتورك وقتا ! منيح نفدت منو :)
    لو تعرف بهالايام شو عم يشتغل :)
    و بين قوسين المدونة رائعة ,, الي ساعة و نص عم اتفتل فيا

    1. بعرف انه صار شبيح، أنا كرهته من يوم ما شفته مرة عم يدبك بمسخرة احتفالات الاستفتاء .. المهم هلأ مطلوب للجيش الحر :)
      هي المقالة قديمة كتير ..
      شرفتِ المدونة يا آلاء ..

  2. عمار مشلح كان دكتورك وقتا ! منيح نفدت منو :)
    لو تعرف بهالايام شو عم يشتغل :)
    و بين قوسين المدونة رائعة ,, الي ساعة و نص عم اتفتل فيا

    1. بعرف انه صار شبيح، أنا كرهته من يوم ما شفته مرة عم يدبك بمسخرة احتفالات الاستفتاء .. المهم هلأ مطلوب للجيش الحر :)
      هي المقالة قديمة كتير ..
      شرفتِ المدونة يا آلاء ..

أضف تعليقاً